ديباجة

-

لأنّ فعل التّرجمة بالنّسبة لنا أعمق من أن يكون مجرّد علاقة تتّسم بالميكانيكيّة البحتة بين النّصّ الأصليّ والنّصّ المترجَم، فهي [التّرجمة] إذًا ليست فقط محاولة لإيجاد المعاني الملائمة، واستبدال الحروف، وتركيب الجُمل، بل نرى فيها عمليّة خلق لمادّة جديدة منبثقة عن النّصّ القديم، قد تختلف عنه قليلًا أو كثيرًا، وليس من الضّروريّ أن تتقيّد بجريانه وتركيبته، فقد يكون النّصّ المترجَمُ (الجديد) أوسع وأدقّ، أو موجزًا. فالتّرجمة كعمليّة التّصوير، والمترجِم/ المصوّر يتمعّن شيئًا ما (شخصًا، حدثًا، مشهدًا، شجرةً، نصًّا، إلخ) ويقوم بنقل هذه المادّة وترجمة عمليّة رؤيتها/ مشاهَدَتها عبر كاميرته، خالقًا صورة جديدة للصّورة القديمة/ الشّيء الموجود أصلًا في الطّبيعة.

تشدّنا كثيرًا هذه العلاقة المثيرة بين النّصّ (المكتوب) والصّورة الفوتوغرافيّة (المأخوذة/ الملتقَطة)، كنصوص والتر بنيامين وإدواردو كاداڤا وغيرهما. إنّ ترجمة هذه النّصوص إلى العربيّة والتي غالبًا ما تكون مُترجمة عن لغات عديدة إلى الإنجليزيّة (خصوصًا نصوص بنيامين المُترجمة عن الألمانيّة)، تشكّل تحدّيًا كبيرًا لقراءة النّصّ الأصليّ (في الإنجليزيّة) وفهمه، ناهيك عن مشقّة ترجمته إلى العربيّة! لكنّ هذا التحدّي يحفّز على ضرورة تفكيك النّصّ الأصليّ، وسبر غوره، وإعادة تشكيله من جديد من خلال التّرجمة.

أخيرًا، لا يسعني إلّا أن أتمنّى أن تنال هذه التّجربة اهتمامكم، وأن تجدوا بها ما يثري معرفتكم، فهي أولى محاولاتنا في التّرجمة الجماعيّة التي آمل لها أن تستمرّ.

(علاء أبو أسعد)

للتّرجمة متعة ذهنيّة خاصّة كحلّ لعبة ألغاز الكلمات المربّعة بفارق بسيط وجوهريّ في آن: لا حتميّة في المعنى بسبب اتّساع بحر اللّغة. تجرّنا الغزارة إلى الاندهاش حيث تنهمر الصّور الفوتوغرافيّة في هذا العصر أمام أعيننا بكميّات لا حصر لها، تموت الكثير من اللّحظات الملتقَطة، وتُقترن في أحيان كثيرة بنصوص مكتوبة؛ وقد تسرد هذه الصّور حكايات دون أن تُرفق ببنت شفة واحدة تحمل معاني معجميّة فتضطرّ المُشاهِدة/ القارئة إلى تخمين السّياق على نحو مستقلّ. تلتقي التّرجمة بالتّصوير، بدورها مُمارسة، عند محاولة استقصاء المعنى/ تخمين مضمون الصّورة الأدقّ.

نتصيّد أحيانًا نصوصًا أدبيّة وأخرى نظريّة تفاجئنا بمفعول القول فيها ولو كانت من سطور معدودة على أصابع اليد الواحدة. وجدنا على سبيل المثال في هذا النّصّ المرفق هنا ما هو مثاليّ لوصف ظرف الصّورة والخوض في طقسها كاستهلال لسَيْل المُدَامْ. لم يكن أمامنا سوى أن ننقل النّصّ عن لغة وسيطة وهي الإنجليزيّة، في الوقت الذي لم نستطع الوصول إلى الأصل في الألمانيّة أثناء تأمّلنا في النّصّ وقد تعثّرنا بصعوبات أمام مفردات معيّنة وتبيان دلالاتها.

(بكريّة صائب مواسي)

بذكاء أدبيّ عال يلمّح والتر بنيامين إلى إحالات التّصوير الفوتوغرافيّ الشّائكة والمعقّدة، وبلغة تناسب طبيعة هذه الإحالات المتفلّتة واللّحظيّة بما لا يقبل الوقوف عندها طويلًا بكلمات قاطعة المعنى شحيحة التّأويل، في نصّ يتدارك نفسه على شكل حمّى من الكلمات.

عند ترجمة مقامات لغويّة كهذه؛
تسوقنا رغبة محمومة للقبض على شيء ما، إلّا أنّ الكلمات هي جسد المعنى الذي سيتحلّل من صفاته عمّا قريب، ويتلبّس هيئة أخرى، أمّا المعنى فعصفورٌ صغيرٌ هشّ منذورٌ للفضاء، كلّما ظننّا أنّا أحكمنا قبضتنا عليه كنّا نزداد تشبّثًا بحطامه!
إذًا ماذا نترجم؟
أكاد أسير فوق الماء الرّاكد إذ أقول إنّنا نترجم المعرفة التي استعان بها النّصّ
وأكاد أسير فوق الماء الهائج إذ أقول إنّنا نترجم الحالة الذّهنيّة للنّصّ
وأكاد أغرق إذ أقول إنّنا نترجم الفضاء النّفسيّ الذي يهيم فيه النّصّ
مع بنيامين، يبدو هذا الهذيان خطوًا متّئدًا فوق أرض صُلبة!

ولكنْ هل هذا حقًّا هو السّؤال الأهمّ؟
ماذا عن "كيف نترجم؟"
في التّرجمة، كلّ خطوة خارج النص؛ هي اقتراب ناضج منه.
يجب ألّا نخجل من قول الحقيقة، فالتّرجمة (في كواليسها البعيدة عن متناول القارئ) فعل هدم وتقويض، ولكي نعيد بناء ما هدمناه (ونحن لن نفعل أبدًا)، علينا أوّلًا أنْ نتعلّم الهندسة الّتي أُنشئ بها النّصّ الأصليّ، ونمتلك أدواتها، أي أن نستحوذ على ثقة النّصّ ونثبت له أنّنا قادرون على كتابته قبل أن نشرع في ترجمته.
وذلك في اندماج حميم واشتباك عنيف مع النّصّ، من خلال تكثيف مستويات فهمنا له، وهذا يقتضي أن نفكّر به ومن خلاله، ونبحث عنه خارجه، ونقيس احتمالاته، ونتأمّل رغباته تجاهنا وكيف يريد منّا أن نتعامل معه، ثم نشكّ ونتردّد، ثم نهدم، ثمّ نحدس ونجرّب.

(ملك عفونة)

©

حقوق النشر مش محفوظة

This site was designed with the
.com
website builder. Create your website today.
Start Now